د. فريد شوقي المنزلاوي يضع مصر والصين أمام سؤال المستقبل: شراكة تُنتج أم اتفاقيات تُوقّع؟
 

د. فريد شوقي المنزلاوي يضع مصر والصين أمام سؤال المستقبل: شراكة تُنتج أم اتفاقيات تُوقّع؟

في وقت تتسابق فيه القوى الكبرى لإعادة رسم خريطة النفوذ والاقتصاد في المنطقة، تبدو العلاقة بين مصر والصين أمام مرحلة مختلفة تحمل في طياتها أسئلة أكبر من مجرد زيارة رسمية أو اتفاقيات جديدة.

فماذا تعني زيارة الرئيس الصيني لمصر؟ ولماذا يرى الدكتور فريد شوقي المنزلاوي أن القاهرة لم تعد مجرد طرف في المشهد، وإنما أصبحت لاعبًا قادرًا على التأثير في صياغة مستقبل المنطقة؟ وما الذي يمكن أن تحصل عليه مصر من هذه الشراكة.. والأهم: ماذا يمكن أن تبنيه مع الصين؟

الدكتور فريد شوقي المنزلاوي يجيب عن هذه التساؤلات، ويكشف رؤيته لما يمكن أن تحمله الشراكة المصرية الصينية من فرص تتجاوز الاقتصاد إلى الصناعة والتكنولوجيا ومكانة مصر الإقليمية والدولية.

أكد الدكتور فريد شوقي المنزلاوي أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل حدثًا تاريخيًا ورسالة سياسية واقتصادية واستراتيجية بالغة القوة، تعكس المكانة التي أصبحت تتمتع بها مصر في حسابات القوى الكبرى، وتؤكد أن القاهرة لم تعد تتعامل مع المتغيرات الدولية من موقع المتلقي، وإنما أصبحت طرفًا فاعلًا في صياغة مستقبل المنطقة.

وقال المنزلاوي إن اختيار مصر ضمن محطات الزيارة الخارجية للرئيس الصيني، وفي هذا التوقيت تحديدًا، يحمل دلالات عميقة، خاصة أن الزيارة تتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، وتأتي بعد عقد كامل من آخر زيارة للرئيس شي جين بينج إلى القاهرة.

وأضاف: “مصر اليوم ليست مجرد شريك للصين، وإنما أصبحت نقطة ارتكاز استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وموقعها الجغرافي والسياسي والاقتصادي يمنحها قدرة استثنائية على أن تكون جسرًا بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.”

وأوضح الدكتور فريد شوقي المنزلاوي أن عوائد الشراكة المصرية الصينية لا يجب اختزالها في الاتفاقيات التجارية فقط، وإنما يجب النظر إليها باعتبارها مشروعًا متكاملًا لبناء قوة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية مصرية.

وأشار إلى أن من أهم المكاسب التي يمكن لمصر تعظيمها من هذه الشراكة:

أولًا: جذب المزيد من الاستثمارات الصينية إلى مصر، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة الجديدة والسيارات الكهربائية والإلكترونيات والتكنولوجيا، مع التركيز على تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير للأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. وتجاوزت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار وفق بيانات أُعلنت مؤخرًا، مع توسع واضح في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. (english.ahram.org.eg)

ثانيًا: نقل التكنولوجيا والمعرفة، وهو ما يمثل في رأيي القيمة الأهم على المدى الطويل، لأن مصر لا تحتاج فقط إلى استيراد المنتجات، وإنما تحتاج إلى توطين التكنولوجيا وتدريب الكوادر المصرية وبناء صناعات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا.

ثالثًا: دعم الصادرات المصرية إلى السوق الصينية، خصوصًا أن الصين أتاحت منذ مايو 2026 إعفاءً جمركيًا كاملًا لمنتجات عدد من الدول الأفريقية، ومن بينها مصر، وهو ما يفتح نافذة مهمة أمام زيادة الصادرات المصرية وتقليل اختلال الميزان التجاري. كما وقعت شركات مصرية خلال أغسطس الجاري 17 عقدًا تصديريًا مع مشترين صينيين بقيمة تقارب 168 مليون دولار. (sis.gov.eg)

رابعًا: تعظيم الاستفادة من موقع قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، بحيث تتحول مصر من مجرد ممر للتجارة العالمية إلى مركز صناعي ولوجستي وتصديري متكامل يخدم الأسواق الإقليمية والدولية.

خامسًا: تنويع أدوات التعاون المالي والتجاري، خاصة مع تجديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني ورفع قيمته إلى 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات، بما يمكن أن يدعم التجارة والاستثمار والتعامل بالعملات المحلية. (acpss.ahram.org.eg)

سادسًا: التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة، وهي المجالات التي يمكن أن تنقل الشراكة المصرية الصينية من مرحلة المشروعات التقليدية إلى مرحلة بناء اقتصاد المستقبل. وتشير قراءات الخبراء إلى أن هذه القطاعات ستكون من أهم محاور المرحلة الجديدة في العلاقات بين القاهرة وبكين. (english.ahram.org.eg)

وأكد المنزلاوي أن القيمة السياسية للزيارة لا تقل عن قيمتها الاقتصادية، مشيرًا إلى أن العلاقات المصرية الصينية أصبحت نموذجًا للتعاون بين دولتين لهما تاريخ وحضارة ورؤية مستقلة لمصالحهما الوطنية.

وقال: “حين يأتي رئيس دولة بحجم الصين إلى القاهرة، فإن الرسالة لا تكون اقتصادية فقط، وإنما هي اعتراف بمكانة مصر ودورها وقدرتها على التأثير في محيطها العربي والأفريقي والدولي.”

وأضاف أن القيادة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، استطاعت خلال السنوات الماضية أن تبني سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتعظيم المصالح الوطنية والحفاظ على استقلال القرار المصري، وهو ما منح مصر مساحة أوسع للحركة في عالم يتغير بسرعة.

وتابع: “الرئيس السيسي يدير العلاقات الدولية بمنطق الدولة التي تعرف قيمة موقعها وقوة مصالحها، ولذلك أصبحت القاهرة نقطة التقاء بين الشرق والغرب، وبين القوى الاقتصادية الكبرى، وبين دوائر التأثير العربية والأفريقية والدولية.”

وشدد الدكتور فريد شوقي المنزلاوي على أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل بالعلاقات المصرية الصينية من مرحلة الشراكة الاستراتيجية إلى مرحلة الشراكة الإنتاجية والتكنولوجية، بحيث يكون الهدف الأساسي هو خلق فرص عمل، وزيادة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وجذب العملة الأجنبية.

واختتم المنزلاوي تصريحه قائلًا:

“زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر ليست مجرد زيارة رئيس إلى دولة صديقة، وإنما هي فرصة تاريخية لفتح فصل جديد في العلاقات المصرية الصينية. مصر تمتلك الموقع، والصين تمتلك التكنولوجيا والاستثمار والخبرة الصناعية، وإذا اجتمعت الإرادة السياسية المصرية مع الإمكانات الصينية، فإن النتيجة يمكن أن تكون شراكة تصنع المستقبل لا شراكة تكتفي بصناعة العناوين.”

“مصر قادرة على أن تكون مركزًا صناعيًا وتكنولوجيًا ولوجستيًا إقليميًا، وقناة السويس يمكن أن تكون بوابة هذا التحول، والعلاقات المصرية الصينية يمكن أن تكون إحدى أهم ركائز بناء اقتصاد مصري أكثر قوة وتنافسية خلال السنوات القادمة.”

د. فريد شوقي المنزلاوي