في لحظات كثيرة من الحياة، يقف الإنسان أمام بابٍ أُغلق في وجهه، فيظن أن الطريق انتهى، أو أن ما تمناه لم يعد من نصيبه. لكن ماذا لو كان هذا الباب قد أُغلق لحكمة لم ندركها بعد؟ وماذا لو كان التأخير الذي يؤلمنا اليوم جزءًا من تدبير يحمل لنا ما هو أفضل؟
بهذه المعاني، كتب د. فريد شوقي المنزلاوي، الكاتب والمفكر والخبير التربوي، الحاصل على دكتوراه في مناهج وطرق التدريس، رسالة إيمانية تناول فيها معنى الثقة في تدبير الله، والرضا بما قسمه، والصبر على تأخر الرزق والفرج، مؤكدًا أن الإنسان قد لا يدرك الحكمة من بعض ما يحدث له إلا بعد مرور الوقت.
واستهل المنزلاوي رسالته بقوله:
«ما أعظم الله… وما أرحم تدبيره، وما أوسع حكمته، وما ألطف أقداره بنا ونحن لا ندرك إلا القليل.
الله سبحانه وتعالى يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ويفتح الأبواب لمن يشاء، ويغلق أبوابًا عن من يشاء، وكل ذلك بحكمة يعلمها هو وقد لا نعرفها نحن إلا بعد وقت».
وأشار إلى أن الباب المغلق قد لا يكون دائمًا علامة على الخسارة، قائلًا:
«قد تقف أمام بابٍ مغلق وتظن أن الدنيا قد أغلقت أبوابها في وجهك، ثم تكتشف بعد فترة أن هذا الباب لو فُتح لأتعبك، وأن الله أغلقه رحمةً بك لا قسوةً عليك».
وأضاف:
«وقد تتأخر عن أمرٍ تتمناه، فتظن أن نصيبك قد فات، بينما الله يعد لك شيئًا أجمل مما طلبت، في الوقت الذي يعلم هو أنه الأنسب لك.
فالله لا يمنع عبثًا، ولا يعطي عبثًا، ولا يؤخر عبثًا.
كل شيء عنده بقدر، وكل أمر له توقيته، وكل باب له موعد، وكل رزق له قدر، وكل إنسان له نصيب كتبه الله له بحكمة ورحمة».
حين يأتي العوض من حيث لا نتوقع
وتوقف المنزلاوي عند قصص أناس ظنوا أن أبواب الرزق والحياة أُغلقت أمامهم، ثم اكتشفوا لاحقًا أن ما حدث كان بداية لشيء آخر.
وقال:
«كم من إنسان ظن أن رزقه قد انتهى، فإذا ببابٍ لم يخطر على باله يُفتح له.
وكم من إنسان ظن أن حياته توقفت عند خسارة، فإذا بالله يعوضه بما يجبر قلبه.
وكم من إنسان بكى على بابٍ أُغلق، ثم حمد الله بعد سنوات لأنه لم يُفتح».
ودعا إلى عدم الحكم على المستقبل من خلال الظروف الحالية، مؤكدًا:
«لذلك لا تجعل ما تراه الآن يحكم على مستقبلك.
فالذي يملك تغيير الأقدار قادر على تغيير حالك في لحظة».
«إذا أُغلق باب.. فلا تنكسر»
ووجه المنزلاوي رسالة مباشرة لكل من يمر بضيق أو ينتظر رزقًا أو فرجًا، قائلًا:
«إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تيأس... وإذا تأخر رزقك، فلا تقلق.. وإذا أُغلق باب، فلا تنكسر.
وإذا خذلك الناس، فتذكر أن الله لا يخذل من لجأ إليه».
وأضاف:
«قد لا تفهم لماذا حدثت بعض الأشياء في حياتك، وقد تتساءل: لماذا أنا؟
ولماذا تأخر الفرج؟
ولماذا أُغلق هذا الطريق؟
لكن تذكر دائمًا أن علمك محدود، وعلم الله كامل، ونظرتك للحظة، بينما علمه بالماضي والحاضر والمستقبل كله».
وأكد أن نظرة الإنسان للحدث قد تختلف عن حقيقته، موضحًا:
«فما تراه خسارة قد يكون حماية، وما تراه تأخيرًا قد يكون إعدادًا، وما تراه نهاية قد يكون بداية، وما تراه حرمانًا قد يكون عين العطاء».
دعاء بالرضا والثقة في تدبير الله
وفي الجزء الأكثر روحانية من رسالته، دعا المنزلاوي إلى رفع القلب إلى الله والثقة في حكمته، قائلًا:
«ارفع قلبك إلى السماء وقل: يا رب، أنا لا أفهم حكمتك كلها، لكني أثق برحمتك كلها.
ولا أعلم أين الخير، لكني أعلم أنك أرحم بي من نفسي.. فاختر لي ولا تخيرني، ودبر لي فإني لا أحسن التدبير.
وارزقني الرضا بما قسمت، والثقة فيما دبرت، والصبر حتى يأتي وعدك».
وأكد أن أبواب الرزق والرحمة لا تنفد، قائلًا:
«واعلم أن ما كتبه الله لك سيأتيك، وما لم يكتبه لك لن يكون لك، وأن خزائن الله لا تنفد، ورحمته لا تضيق، وفضله لا ينتهي».
«فلا تستعجل تدبير الله»
واختتم د. فريد شوقي المنزلاوي رسالته بالتأكيد على أهمية الصبر وحسن الظن بالله وعدم الاستسلام لليأس، قائلًا:
«فلا تحزن على بابٍ أُغلق، ولا تتعلق ببابٍ لم يأذن الله بفتحه.
ثق في ربك… فله الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله.
هو الذي يرفع من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويبدل الأحوال من حال إلى حال».
وأضاف:
«وقد تكون اليوم في ضيق، وغدًا في سعة... وقد تكون اليوم مكسورًا، وغدًا يجبر الله قلبك.
وقد ترى نفسك بعيدًا عن حلمك، ثم يفتح الله لك طريقًا لم يكن في حساباتك.
فلا تستعجل تدبير الله... اصبر… واطمئن… وأحسن الظن بالله.
فربما كان أجمل ما في قصتك لم يبدأ بعد».
واختتم رسالته بقوله:
«وربما كان الباب الذي تنتظره سيُفتح في الوقت الذي يختاره الله، لا في الوقت الذي تختاره أنت.
وربما كان العوض القادم أكبر بكثير من كل ما فقدته.
اطمئن… فربك كريم، رحيم، لطيف، رزاق، وهاب... وإذا كان الله هو ربك، فلا تخف من الغد.
سيأتي الرزق في موعده، وسيأتي الفرج في وقته، وسيأتي العوض حين يكتمل وقته… فقط اثبت، واصبر وادعُ الله، واعمل، ولا تفقد الأمل.
فالله لا يضيع قلبًا وثق به، ولا يخذل عبدًا أحسن الظن به».